احتفلنا بالذكرى الرابعة عشرة للثورة السورية في نهاية الأسبوع الماضي وكانت الذكرى الأولى بعد سقوط النظام.
انها حقاً لحظة خاصة جدًا بالنسبة لنا، فمنذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وتحديداً بعد المجازر الرهيبة التي ارتكبت بحق الطائفة العلوية في بداية شهر آذار/مارس، غمرتنا العديد من المشاعر الصعبة والمتناقضة: من جهة، فرحة سقوط نظام الرعب الذي كبل وجوده أي تغيير في البلاد، ومن جهة أخرى : الألم والخوف والغضب من التطورات على الأرض منذ رحيل الأسد.
كنا بحاجة إلى بعض الوقت لصياغة أفكارنا، فبعد الصدمة التي أحدثتها هول وعنف المجازر الطائفية في الساحل السوري، تكاثرت ردود الأفعال و اشتعلت الآراء من مختلف مكونات المجتمع السوري، سواء على الأرض في الداخل أو في المنفى. هذا الوضع المتفجر يدل على الآثار المدمرة التي خلفتها 14 عامًا من الحرب وأكثر من 50 عامًا من الاستبداد على النفوس وعلى العقول.
تتفاوت التقديرات بين 800 و2000 قتيل في الساحل السوري. ردًا على الهجوم العسكري الذي قاده ضباط موالون للأسد، والذي تسبب بحد ذاته في مقتل ما يقرب من 200 مدني (من بينهم علويون)، قامت قوات الأمن العام و مجموعات مسلحة أخرى بهجوم مضاد تسبب في مقتل مدنيين علويين على أسس طائفية واضحة.
لا شك في أن الحكومة الجديدة هي المسؤولة عن هذه المجازر فعلى الرغم من اعتراف أحمد الشرع بأنه كان بالإمكان تفادي ما حدث، إلا أنه لم يفعل شيئًا لمنع أو إيقاف انتهاكات الأشهر الماضية في حمص او في منطقة الساحل.
منذ رحيل الأسد، سمح الشرع للقوات الخاضعة لسلطته بالاستمرار في ارتكاب "التجاوزات" ضد المدنين بحجة ملاحقة فلول النظام. من المخجل أن نذكر و نقول أنه من غير المقبول على الإطلاق المساواة بين الطائفة العلوية و إرهاب الأسد. فباستثناء نخبة استفادت من نظام الأسد مقابل ولائها، فإن غالبية الطائفة عاشت في فقر كالكثير من سكان سوريا في مناطق سيطرة النظام ولم تنج من قمعه الوحشي إذا ما أبدى أفرادها أدنى إشارة معارضة.
هذه الفظائع التي طالت المجتمع السوري بأكمله وأعادت الانقسامات والتوترات بين مكوناته الأهلية و السياسية، ذكّرتنا بلحظات حزينة أخرى عاشتها البلاد على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية. هناك من يبررون المجازر أو يقللون من تورط الحكومة الجديدة أو ينكرون مسؤوليتها. وهناك من يستغلون المجازر من اليمين واليسار على حد سواء، بدافع تعزيز ظاهرة الإسلاموفوبيا و/أو حنيناً للنظام السابق متناسيين جرائمه الفظيعة ضد عامة الشعب السوري. هذا الاستغلال مدان للغاية كالتشبيح للنظام الجديد الذي مكن من اسقاط الأسد.
قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، كان لدينا عدو واحد مشترك، حتى وإن كانت سيرورة الثورة مليئة بالخلافات والصراعات. لكن بعد سقوط الأسد علينا أن نشق طريقًا جديدًا ونعيد بناء أفق نضال مشترك ضد الاستبداد والظلم ومن أجل الحرية والكرامة. انها مهمة صعبة بعد 14 عامًا من الحرب والدمار، وفي خضم حاضرٍ رهيب تنتشر فيه سياسة المجازر من غزة إلى أوكرانيا، ومن جنوب لبنان إلى السودان.
بالإضافة إلى العديد من التحديات الداخلية، مثل تردي الظروف المادية وتدني الحياة الكريمة والمطالبة بالحقيقة والعدالة لجميع ضحايا الحرب. نواجه عددًا من التهديدات الخارجية.
كل دعمنا لأهالي كوباني ومنبج تحت القصف التركي ولأهالي درعا والقنيطرة تحت القصف الإسرائيلي.
علينا التأكيد اليوم أن تركيا، كإسرائيل، هي قوة احتلال في البلاد.
وعلى عكس ما ادعاه الشرع فإن الثورة لم تنتهِ بعد.
لقد سمح سقوط النظام بحرية التعبير والتنظيم السياسي الذي لم يكن معروف حتى الآن في مناطق سيطرته، فتم الاحتفال بشكل علني بعيد النيروز (المحظور في عهد الأسد) في عدة بلدات سورية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو إلى متى و إلى أي حد سيتم السماح بتعددية ثقافية و سياسية ؟ لا يمكننا اليوم غض النظر عن محاولات النظام الجديد إقامة مركزية سلطوية و نظام استبدادي عسكري، بمساعدة مجرمي حرب الأمس ورجال الأعمال الذين ما زالوا يقبضون أجر تعاونهم مع الأسد.
عندما نقول أن الثورة لم تنتهِ، فهذا لا يأتي من أحلام بعيدة في المنفى، بل من الطاقات التي تحيي روح الثورة في مظاهرات الحسكة أو السويداء، في مبادرات العون المتبادل من دمشق إلى حمص، كما في أقوال وأفعال العديد من الثوار الذين يكسرون قدرية الدهر بصمودهم/ن وعزيمتهم/ن.
قلوبنا مع كل الضحايا المدنيين في مجازر آذار و مع المغيبين قسراً وعائلاتهم وبالطبع مع كل شهداء ثورتنا العزيزة.